علي بن محمد البغدادي الماوردي

24

النكت والعيون تفسير الماوردى

أحدها : أنه همّ بها أن يضربها حين راودته « 38 » عن نفسه ولم يهم بمواقعتها قاله بعض المتأخرين . الثاني : أن قوله ولقد همت به كلام تام قد انتهى ، ثم ابتدأ الخبر عن يوسف فقال وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ومعنى الكلام لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها « 39 » ، قاله قطرب . الثالث : أن همها كان شهوة ، وهمه كان عفة . الرابع : أن همه بها لم يكن عزما وإرادة « 40 » وإنما كان تمثيلا « 41 » بين الفعل والترك ، ولا حرج في حديث النفس إذا لم يقترن به عزم ولا فعل ، وأصل الهم حديث النفس حتى يظهر فيصير فعلا ، ومنه قول جميل « 42 » : هممت بهمّ من بثينة لو بدا * شفيت غليلات الهوى من فؤاديا الخامس : أن همه كان حركة الطباع التي في قلوب الرجال من شهوة النساء وإن كان قاهرا له وهو معنى قول الحسن . السادس : أنه هم بمواقعتها وعزم عليه . قال ابن عباس : وحل الهميان « 43 »

--> ( 38 ) وهو قول ذكره ابن الأنباري ويؤيده قوله تعالى وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ [ غافر : 5 ] وإلى هذا القول ذهب ابن حزم في الفصل ( 4 / 10 ) . ( 39 ) وهذا بناء على التقديم والتأخير قال العلامة الشوكاني في فتح القدير ( 3 / 17 ) : ولما كان الأنبياء معصومين عن الهم بالمعصية والقصد إليها شطح أهل العلم في تفسير هذه الآية بما فيه نوع تكلف فمن ذلك ما قاله أبو حاتم قال : كنت أقرأ على أبي عبيدة غريب القرآن فلما أتيت على وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها قال : هذا على التقديم والتأخير كأنه قال « ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها » . ( 40 ) وهذا القول بين أن هناك فرقا بين الهمين فإن قيل إن القرآن سوى بين الهمين فلم فرقتم أجاب عن هذا العلامة ابن الجوزي قائلا إن الاستواء وقع في بداية الهمة ثم ترقت همتها إلى العزيمة بدليل مراودتها واستلقائها بين يديه ولم تتعد همته مقامها بل نزلت عن رتبتها وانحل معقودها بدليل هربه منها وقوله معاذ اللّه وعلى هذا تكون همته مجرد خاطر لم يخرج إلى العزم أ . ه زاد المسير ( 4 / 205 ) . ( 41 ) كذا في المطبوعة وهو خطأ والصواب تمييلا والتصويب من الطبري ( 16 / 39 ) . ( 42 ) ذكره في فتح القدير ( 3 / 17 ) والشطر الأول فيه هممت بهم من بثينة لؤلؤ ولعل فيه تحريف واللّه أعلم . ( 43 ) قال العلامة ابن الجوزي رحمه اللّه في زاد المسير ( 4 / 205 ) : « ولا يصح ما يروى عن المفسرين من أنه حل السراويل وقعد منها مقعد الرجل فإنه لو كان هذا دل على العزم والأنبياء معصومون من العزم على الزنا » أ . ه . -